الثلاثاء، 18 سبتمبر، 2007

قصة الليل والنهار

الليل والنهار
قصة محمود البدوى


فى حى جنزا حينما دقت الساعة السادسة صباحا دخل إبراهيم شارع الملاهى وكانت أبواب المراقص كلها مغلقة ، وبدأ الحى الساهر طوال الليل ينام ..

كانت البنايات صامته والنوافذ أسدلت عليها الأستار الحريرية وظلت البالونات فى مكانها تسبح فى الجو ومداخن المطابخ الشهباء تلفظ آخر ما فى جوفها وتصافح أبراجها العالية أشعة الشمس .. فيدوب ما علق بها من ندى الصباح ..

وكان الكناسون قد بدأوا فى العمل منذ أطفئت المصابيح فى الحى ، وجرفوا قاذوراته إلى الجوانب الخلفية ..

فبدا الحى الذى كان يتألق فى الليل كأجمل الأحياء فى الدنيا جمعاء صامتا وموحشا وكئيبا فى النهار ..

وشاهد إبراهيم وهو يسير على مهل القطط تنفذ إلى المطابخ من الأبواب الخلفية وحاول أن يحصى عبر الشوارع الصامته الملاهى الراقصة فى قطاع مخروطى يضم الآلاف المؤلفة منها ويتيه بأجمل بنات طوكيو .. وأجمل الغوانى على الإطلاق ..

ولكن الكآبة التى طالعته بها هذه البنايات فى النهار وصمتها الأخرس رده عن بغيته وعداه الصمت فأحس بالانقباض .. فأسرع خارجا إلى شارع جنزا نفسه قلب المدينة وهناك أحس بأنفاس الحياة وظل يتابع سيره حتى بلغ حى شمباسى ..

وكان يسرع فى مشيته ويضم معطفه على صدره ليحس بالدفء فى يوم بدا شديد البرودة من أيام ديسمبر ..

وأخذت المدينة الضخمة تستيقظ بكل ما فيها من حركة وحيوية دافقة وسرته هذه الحركة فاتخذ جانب الرصيف ليتفادى السيارات المنطلقة كالسهام واختلط مع جموع الناس الوافدة على قلب العاصمة ..

النساء والرجال من كل الأعمار فى الكومينو والزى الأوربى ينطلقون مع إشراق الشمس إلى عملهم وعلى وجوههم بسمة الصباح .. وكان يميز أقدام الفتيات وراءه بحركتهن السريعة الرشيقة فإذا اجتزنه بدت السيقان العارية تتألق تحت المعاطف الأرجوانية ..

وسحره الجو كله .. فمضى فى الشوارع على غير وجهة يستعرض الحوانيت إلى أن وجد مطعما شعبيا جذبه يعرض أصنافه اللذيذة فى الواجهة فدخل ليأكل وكان قد بارح الفندق قبل أن يتناول الإفطار .. واتخذ مكانه .. إلى مائدة قريبة من النافذة المطلة على الشارع ليرى منها العابرين .. وأزاح الستار الخفيف القريب منه وأخذ يحدق فيما حوله .. وكان المطعم مثلث الشكل وقد صفت الموائد وعليها الزهريات .. والأكواب .. فى تنسيق رائع .. وبدت الألوان الزاهية والقناديل المضاءة حتى فى النهار تضفى على المكان جوا حالما ..
وأحس بالارتياح ..

وانحنت أمامه فتاة فى لباس أزرق وقدمت له فوطة يتصاعد منها البخار .. وسألته عما يطلب فمسح يديه ووجهه بالفوطة الساخنة ورفع بصره إلى عينيها وابتسم وطلب عصير البرتقال وقطعة من الجبن وصحنا شعبيا كان موضوعا فى الواجهة ورآه قبل أن يدخل ..

ولما فرغ من الطعام شرب فنجانا من القهوة .. وأخذ يدور ببصره فى الزبائن وكان هناك سلم جانبى صغير يفضى إلى الدور العلوى .. فشاهد بعض الرواد يصعدون إليه .. وينزلون منه ..

وامتلأ المطعم بالزبائن فى مدى دقائق قليلة .. ثم فرغ وبقى إبراهيم مع من بقى منهم فى الدور الأرضى يدخن سيجارة ويتطلع من وراء النافذة إلى الطريق .. وشاهد من مكانه وهو ينفث دخان سيجارته رجلا يتخطى عتبة المطعم فى تردد ثم بصر به يجلس إلى مائدة قريبة منه .. متصلبا فى جلسته وأخذ يدير عينين قلقتين فى المكان وانحنت أمامه الفتاة تسأله عما يأكل بعد أن قدمت له الفوطة المعتادة وطلب صحنا واحدا وأخذ يأكل بسرعة ونهم .. وتعلق بصر إبراهيم به لما رآه يحادث الفتاة بالإنجليزية إذ عرف أنه غريب .. وكانت ملامح وجهه شرقية وخمن أنه هندى أو باكستانى أو إيرانى أو من أى بلد آخر من ربوع آسيا ..
وكان عجوزا يرتدى بدلة اوروبية ..

ولما فرغ من الطعام ظل فى مكانه لا يطرف وشغل عنه إبراهيم بمراقبة المارة فى الطريق .. ثم تنبه على صوت الفتاة وهى تحادث الرجل .. بصوت أرتفع لأول مرة فى جو المكان ..
ورأى وجه العجوز قد احتقن وارتعشت شفتاه ..

وازداد خجله واضطرابه لما لاحظ أن الموجودين استمعوا إلى حديث الفتاة باليابانية .. وأحسوا بحاله وعرفوا أنه دخل المطعم وأكل وليس فى جيبه ين واحد .. يدفع به ثمن الوجبة ..

ومرت دقيقة صمت شخصت فيها الأبصار وتعلقت بالرجل الذى اطرق برأسه واجما ملتاعا وانتقلت الفتاة العاملة فى خلالها إلى السيدة الجالسة على البنك فهزت هذه رأسها مبتسمة .. كأنها اعتادت على مثل هذه الأشياء وأخيرا همست فى أذن الفتاة بأن تترك الرجل يذهب لحال سبيله ..

وفى الحال خرج العجوز من المطعم مخذول النفس .. وشعر إبراهيم وهو يراقبه بالألم النفسى الشديد .. وعلى الأخص والرجل غريب مثله عن اليابان.. شعر بأخوة إنسانية .. وتذكر حالة .. مرت عليه عندما كان يدرس فى باريس منذ عشر سنوات .. وفرغ ما فى جيبه من نقود وانتظر تحويلا على البنك من القاهرة ولكن المبلغ تأخر وصوله فقضى هناك أياما سوداء ..

وكانت صاحبة البنسيون فى كل صباح تخرج حقيبته وتضعها بجوار الباب الخارجى كانت كل صباح تحاول طرده .. تذكر هذه الأيام السوداء وتذكر الجوع الذى يذل النفس البشرية ويعذبها العذاب الأخرس ..

لقد شعر من قبل بمثل لوعة هذا الرجل .. وعذابه وضياعه ..

وبارح إبراهيم المطعم ومشى فى الطريق وهو يحس بغصة فى حلقه وأسرع ليلحق بالرجل ويعطيه ألف ين أو ألفين حتى يتدبر حالته وندم لأنه لم يخرج وراء الرجل فى وقتها .. أو لم يقم بأى حركة ليغطى موقف الرجل المسكين فى المطعم فقد تركه حتى أذلت كبرياءه وإنسانيته فتاة فى عمر حفيدته ..

وظل يبحث عن الرجل مدة ساعة فى كل مكان فلم يعثر له على أثر .. ضاع فى مدينة فى اتساع المحيط ..

وفى أثناء تجواله بحثا عن الرجل اقترب من ملهى « الحريم » .. وشاهد بجوار أبواب الملهى المغلقة وتحت جداره صفا من ماسحى الأحذية من الجنسين رجالا ونساء وراء صناديقهم الزاهية ..

وكان يراهم لأول مرة فسر لمنظرهم الغريب وكان من بينهم فتيات جميلات جدا فزاد تعجبه .. وظل ينقل عينيه من واحدة إلى أخرى كأنه يبحث عن ممثلة تصلح لدور فى رواية سيقوم بإخراجها .. إلى أن استقر بصره على فتاة فى العشرين ربيعا شاقه منظرها فتقدم إليها وراحت تتأمله وراء أهدابها الطويلة وعلى خديها الاحمرار حين وضع رجله على الصندوق .. وكانت ترتدى حرملة زرقاء وتعصب رأسها بمنديل فبدت له كفلاحة مصرية وبدأت فى عملها تحرك الفرشاة برشاقة وعيناها على طفل يحبو بجوارها .. ولم تكن تعرف غير اليابانية فأخذ يخاطبها بالإشارة ما استطاع وكان يود أن يسألها مئات الأسئلة عن ألاف الأشياء فقد بهره جمالها ..

وكان أول سؤال خطر على باله لماذا لا تمثلين فى السينما .. ليس هناك من يحمل مثل وجهك المعبر ..

وأعطاها قطعة فضية من ذات المائة ين .. ولما أرادت أن ترد له الباقى وضعه فى يد الطفل فنظرت الأم إليه بعين شاكرة .. وكأنه أراد بهذه الحركة أن يعوض ما فاته من عدم انقاذه للرجل المسكين .. الذى ضاع منذ ساعات فى زحمة المدينة ..

وظل يلف ويدور فى المدينة الكبيرة .. وكان لا يستغرب أن يموت فيها إنسان من الجوع .. دون أن يشعر به أحد .. فمثل هذه المدينة تموت فيها الأسماك الضعيفة دون ضجة كما يموت السمك فى المحيط ..

وعندما ذهب إلى الفندق ليستريح ساعة قبل الغذاء .. كانت فتاة الفندق سايونارا فى نوبة عملها ..

وسألته كعادتها :
ــ أين قضيت الصباح .. ؟
ــ تجولت فى جنزا .. وفى حى شمباسى ..
ــ وسررت من هذه الجولة .. ؟
ــ أجل .. رأيت أروع المناظر على الإطلاق ..
ــ ولم تذهب لنادى السينما .. ؟
ــ سأذهب غدا ..

وكانت تعرف أنه قدم من القاهرة مع بعثة فنية سينمائية .. وعاد رفاقه إلى القاهرة وبقى وحده فى طوكيو ليستكمل دراسته عن الإخراج فى اليابان ..

كانت قد حملت له غسيلا مكويا وفتحت الدولاب وأخذت ترتب ملابسه بعناية .. وتأملها بعينيه فى شغف .. أعجب بها من اليوم الأول لوجوده فى هذا الفندق .. منذ أسبوعين .. كانت أول من تناول حقائبه .. وأول من حمل له زهرية الورد ورآها دمثة الطباع رقيقة .. وكان يعجب بطريقتها فى تزيين نفسها وتصفيف شعرها كما يعجب برشاقتها وجمال قوامها وبشرتها النضرة وعينيها نصف المغمضتين .. وأحس أنه شغف بها جدا وكان فى الواقع يلف ويدور حولها كما تلف الفراشة حول النار .. ولكن سايونارا لم تكن تبادله حبه أو تقدر عواطفه ..

وكان الفندق من الفنادق المتوسطة وأجره زهيد .. وقد اختاره إبراهيم ليقضى بما معه من نقود أطول أيام ممكنة فى طوكيو ..

وكانت غرفته جميلة .. وكل ما فيها صغير .. السرير صغير .. والدولاب صغير .. والمنضدة صغيرة وكانت مع صغرها تحتوى على كل شىء ..

وكان من عادة إبراهيم ألا ينزل قاعة الطعام فى الدور الأول ليتناول الوجبات إلا فى النادر .. وكان يطلب الطعام فى حجرته لتحمله له سايونارا.. ويجد فرصة لمحادثتها طويلا ..

وسألته :
ــ هل تغديت فى الخارج .. ؟
ــ أبدا وأرجوك أن تطلبى لى الغذاء ..

وخرجت .. وعادت بعد قليل تحمل له الطعام ورأى وهى داخلة الغرفة الصينية تتمايل بين يديها .. فأحس برعشة وانزعج جدًا ..
ولاحظت اضطرابه بجانب عينيها .. فارخت أهدابها ..

وسألها مصفر الوجه :
ــ زلزال ..؟
ــ أجل .. وليس هو الأول ولا الأخير ..
ــ تعنين أنه ستحدث زلازل أخرى ..
ــ بالطبع .. وما أكثر الزلازل فى طوكيو .. إنها تحدث ولا نأبه لها .. هل أنت خائف ..؟
ــ طبعا .. لم أتعود عليها ..
ــ كيف ستتزوج وكيف تحمى زوجتك إذا خفت من شىء بسيط كهذا ..؟
ــ وأنت ألا تخافين ..؟
ــ أبدا ..
ــ إنك تخافين أكثر منى .. وكل إنسان فى طوكيو يخاف ويتوقع حدوث شىء فى كل لحظة ولهذا يوجد عشرون ألف ملهى فى المدينة تعمل إلى الصباح ..
ــ ولكنك تخاف من الأشياء البسيطة إنك تخاف من البرد .. ومن جرح صغير بآلة الحلاقة ومن الطعام .. ومن تلوث ملابسك فى الغسيل .. وتغلق عليك الباب بالمفتاح فى النهار .. !

وغاظه هذا وأخذ يحدق فيها وقد قطب حاجبيه وقال بصوت جاف ..
ــ قد يكون هذا لأننى قلق ومللت حياة الفن .. التمثيل والإخراج وكل ما تأتى به السينما من صناعة .. كل هذا باطل .. ولقد سافرت لأجدد حياتى.. ولكن أحداث العالم تهزنى وأصبحت أخاف ولا أطيق هذه الحياة ..
ــ ومم تخاف ..؟
ــ من الموت فى الغربة .. من السقوط من طائرة .. من الحرب الذرية .. من موت الأطفال الصغار والنساء .. من فظاعة الحروب .. من كل شىء لا نستطيع دفعه .. بأيدينا ولا حول ولا قوة لنا فيه .. فى هذه الحياة ..
ــ وكيف تخلو الحياة من هذا ..؟
ــ نستطيع ذلك إذا أردنا ، لقد قابلت وأنا اتجول فى طوكيو .. وأزور دور الفنون .. الرجال الذين خاضوا الحرب وذاقوا ويلاتها وهم مثل كل رجل عاقل فى العالم يرغبون فى السلام .. لأنهم تألموا كثيرا ..

إن الرجال فى العالم كله لا يرغبون فى القتال ولا يؤمنون بالحرب أبدا .. ولا يمكن أن يفكروا فيها ..

لقد رأيت فى هذه المدينة الكبيرة المتسولين والعجزة والجياع .. وهذا كله نتيجة للحرب .. والسلام سيحمل فى طياته السعادة للبشرية والرخاء والأمان والحرية التى يتطلبها كل إنسان ..

وضحكت سايونارا لحماسته وأحلامه وسألته :
ــ لماذا لا تعمل فيلما عن السلام فى العالم ..؟
ــ سأعمل ..

وتركها تدخل الحمام الجانبى وخرجت بعد أن غيرت الفوط ..

وحملت صينية الطعام وخرجت وأغلقت وراءها الباب .. ونام إبراهيم إلى الخامسة مساء ونهض .. واقترب من النافذة متطلعا إلى الطريق .. كان الطقس باردا وكان الناس يخرجون من المترو .. ومن محطات السيارات وينطلقون فى الشوارع إلى بيوتهم ..

وكانت فى مواجهة الفندق بناية عالية من خمسة عشر طابقا وقد بدت نوافذها البلورية مضاءة فى النهار .. كانت المصابيح كلها مضاءة فى داخل المبنى الذى يضم شركة كبيرة من شركات الإطارات .. ولاحظ الفتيات اليابانيات يحملن الأوراق فى أيديهن ويتنقلن من غرفة إلى غرفة أو يجلسن وينقرن على الآلة الكاتبة .. وكن فى لباس أوربى متأنق وشعرهن الأسود المقصوص .. يبدو فوق رءوسهن كالتاج ولما دخل الليل سمع حبات المطر تقرع البلور فى البنايات الشاهقة وأخذ ظل المصابيح يسبح .. على الأرض المبتلة وظلت الحركة فى الشوارع والطرقات ، على أشدها ..

وكانت السيارات تبدو صغيرة من بعيد وهى تنهب الأرض فى سرعة جنونية .. وظهرت معاطف النايلون تغطى أجسام النساء المارات فى الطريق وكانت شفافة مبهجة تكشف عن جمال الأجسام ورشاقتها ..

أخذت المدينة التى أضيئت كل مصابيحها تسبح تحت الماء المتساقط .. وأحس إبراهيم وهو واقف بجانب النافذة برأسه يرتطم بالزجاج واصفر وجهه ، لقد كان الزلزال أشد عنفا فى هذه المرة لكن فى جزء من الثانية حدث هذا ولو كان نائما أو مستلقيا ما شعر به ..

وقرع الجرس فجاءت سايونارا وطلب شايا .. ولما رأته مصفر الوجه ضحكت ..

وألقى نظرة أخيرة على الماء المتساقط واستدار إليها وأمسك بيدها .. وكانت تبحث بنظرها عن حلمها .. عن الرجل الذى تحلم بمثله الفتاة ولكنها لم تجده فى كل المرات أهلا لها .. وسحبت يدها برفق من يده ..

وقالت بعين ناعسة وهى تحمل الصينية وتأخذ طريق الباب ..
ــ إن ورائى عمل المساء كله .. وكيسا لم تأت اليوم ..
ــ ولكنى أحبك ..
ــ أعرف هذا .. من اليوم الأول ..
ــ وأنت ما شعورك .. ؟
ــ إننى عاملة فى الفندق .. ليس إلا .. وليس مسموحا لى أن أبادل النزلاء عواطفهم ..
وصمتت مستاءة من نفسها ..

واستدارت وانحنت على الصينية برشاقة ولاحظ يديها الجميلتين الدقيقتين والبشرة الناعمة والقميص الحريرى الأزرق الذى يغطى الجسم كله .. واستداره الفخذ وهى تنحنى وتنتصب ..

ومنذ دخلت عليه الغرفة من خمسة عشر يوما وهو يحس بالرغبة فى أن يلامس بشفتيه بشرتها ولكنها كانت ترده فى رفق وفكر فى نفسه أنها مغرورة أكثر مما ينبغى .. أو جميلة جدا وما أكثر النساء الجميلات فى الطريق .. وفى الفندق نفسه ..

وبعد أن صفقت سايونارا وراءها الباب ساد صمت طويل ..

وإستلقى إبراهيم وهو يدخن ثم فكر فى أن يخرج إلى الشارع .. فتناول معطفه وخرج إلى الطرقة فرأى أمامه العجوز المسكين الذى شاهده فى المطعم .. يدخل إحدى الغرف الجانبية وهو يتلفت كالفار المذعور ..

وعجب إبراهيم لأن الرجل يقيم معه فى جناح واحد وما وقعت عليه عيناه من قبل أبدا .. وشعر بالأسف .. ولم يجد غير سايونارا أمامه فعاد إلى غرفته وطلبها وسألها عن الرجل .. فقالت له إن العجوز باكستانى .. وكان رجل أعمال يتنقل فى البلاد .. ثم أفلس أخيرا وتراكمت عليه الديون وضاقت فى وجهه الحياة .. ومنذ ثلاثة شهور لم يدفع أجر الفندق وينتظر دائما العون من الخارج ينتظر أن تأتيه تحويلات مالية وشيكات ويسأل عنها فى كل ساعة .. ولكن لا تأتيه رسائل ولا أى شىء على الإطلاق .. وأخيرا نقله صاحب الفندق من غرفته فى الطابق الثانى إلى غرفة خانقة تمهيدا لطرده من الفندق ..

وسألها إبراهيم ..
ــ وكيف يعيش هذا المسكين .. ؟
ــ لا أدرى ..

ولاحظ إبراهيم أن التأثر بدا على وجه الفتاة وهى تحدثه عن هذا الرجل المسكين حتى ترقرق فى عينيها الدمع ..

وشعر إبراهيم بالكآبة بعد سماعه قصة الرجل .. ولمس أكرة الباب وخرج من الفندق مكروب النفس ..

كان الضوء يرتجف فى الشارع تحت المطر .. وكانت تموجات هائلة من الهواء تصفر ، وشعر بأنه قد تحرر من الكآبة التى أحس بها فى داخل الغرفة .. ومن اسار المرأة التى تقابل حبه بالصدود ، وأرسل بصره إلى انعكاسات الأضواء على الأرض الملتهبة وكان على موعد مع صديق يابانى فى أحد الأندية الفنية فى الساعة الثامنة .. فذهب إليه ومن هناك انطلقا معا إلى ملهى « الكوين بى » ..

وفى الملهى فكر فى جولة صباحية بالمترو .. ليشاهد الريف اليابانى على الطبيعة ..

***

وقبل أن يخرج من الفندق بحث عن العجوز الفقير .. ليحادثه ويعينه بطريقة لا تجرح إحساسه .. ولكنه وجده قد بارح الفندق منذ الشروق ..

واتخذ إبراهيم طريقه إلى المترو الذى يسير تحت الأرض لم يكن يقصد وجهة معينة .. ألقى بعشرين ينا فى الآلة الأتوماتيكية والتقط التذكرة ودخل منها إلى المحطة ..
وركب القطار .. الذى انطلق كالسهم وبعد أن اخترق النفق أصبح يسير على مستوى الأرض .. وسط الريف .. وشاهد إبراهيم البيوت الخشبية الواطئة .. ومزارع الأرز والورود من كل الألوان الزاهية وشجر التفاح وأشجار الكرز وأشجار الخيزران وكلها مزهرة والبالونات الورقية الملونة على واجهات البيوت .. ورءوس الشوارع ..

ورأى اليابانيين فى بيوتهم وقراهم .. فى القطار وفى المزارع وفى الشوارع ، لابسين الكومينو والملابس الأوربية ..

وفكر وهو ينظر من نافذة القطار ويشاهد البيوت والناس .. لقد ألقيت القنابل هنا ودارت الحرب فى طوكيو .. وفى هيروشيما وفى نجازاكى ألقيت القنابل الذرية وحل الموت والخراب والهزيمة .. ومات الألوف من جراء سقوط القنابل وتيتم الأطفال وترمل النساء ولكن الشعب فى مجموعة خرج سليما وعاش .. وفى أقل من عشرين سنة أصبح من أقوى الدول الصناعية فى العالم ..

ومثل هذ الشعب سيعيش فى آسيا ويظل مزدهرا .. كما تعيش الهند والصين وسيلان واندونسيا ويعمل للسلام .. لأن الحرب دمار وفناء ..

وتصور القطار منطلقا به فى الهند والصين وباكستان وسيلان واندونسيا .. وكل البلاد الجميلة التى تحررت من رق الإستعمار ..

وأغلق عينيه ليتأمل الحلم كله .. حين فتح عينيه وجد يابانيا ربعا غليظ العنق يتأمله فى سكون وكان يرتدى كومينو أسمر وله لحية مدببة ..

وقال له إبراهيم بالإنجليزية :
ــ إن الريف فى بلادكم جميل .. فنظر إليه اليابانى ضاحكا .. ولم يفهم لأنه لا يعرف الإنجليزية ولكنه حنى رأسه مرتين ..

كان بالأخوة الحبيبة يعرف أن الغريب يثنى على بلاده ..
وكان اليابانى يود أن يشرح لإبراهيم ما يراه حوله .. المحطات .. وأسماء القرى التى يخترقها القطار وكل ما يشاهده من ريف ساحر ، إن التفاح الجميل يزرع هنا .. وكذلك الكرز والبرقوق .. وكل الفواكه الحلوة التى أكلها فى طوكيو ..

وأحس بسحر الأخوة وانطلق مع القطار ونسى نفسه كانت البهجة تحيط به من كل مكان ..

ولما رجع بالقطار التالى إلى قلب طوكيو .. أحس بأن روحه .. قد ردت إليه ..

ولما خرج من النفق نظر إلى حذائه وأحس بالرغبة فى أن يشاهد اليابانية الجميلة ويضع قدمه على صندوقها الزاهى الألوان ..

ووجد بجوارها شابا مقطوع الذراع يحتضن الطفل .. ولما اقترب منها إبراهيم ابتسمت وحدثته بالإشارة وبما تعرفه من كلمات إنجليزية قليلة أنها تزوجت من هذا الشاب ..

وأدرك أنها ظلت تبحث عن الأمان حتى وجدته .. وتمنى لها السعادة .. ووضع فى يد الطفل مائة ين .. وتركها وهو يحس بأنه ليس فى حاجة لأن يذهب إليها مرة أخرى ..

ودخل غرفته فى الفندق وهو يحس بأنه كان يحب هذه الفتاة العاملة فى الطريق كما أحب سايونارا وربما أكثر من سايونارا .. ولكن سايونارا قريبة منه دائما .. وأبدا تحرك فيه جذوة النار ..

وبحث عن الرجل الباكستانى فلم يجده قد عاد .. فتغذى إبراهيم ونام إلى العصر ..

وفى الليل خرج إلى حى جنزا المتألق وكانت المدينة كلها ترقص وتستقبل العام الجديد وفكر أن يشترى هدية جميلة لسايونارا ورأى مئات الأشياء الجميلة واحتار فيما يختار .. ثم رأى أن يستدرجها بالحديث فربما أبدت له رغبتها فى شىء معين ..

ولما فاتحها فى الأمر فى الليل .. وكان على أهبة أن ينام ..
سألته كالمستغربة :
ــ ستشترى لى هدية .. ولماذا .. ؟
ــ لانى أحبك .. وستظل هذه الأيام أجمل أيام حياتى ..
ــ وما الذى اخترته .. ؟
ــ رأيت أشياء كثيرة .. ولهذا أسألك ..

وفكرت .. ثم قالت بهمس :
ــ أعطنى النقود وأنا اشترى لنفسى ..

وأخرج ورقتين كل واحدة بخمسة آلاف ين ووضعها فى يدها واهتزت من الفرحة كانت تقدر أنه سيعطيها ألف ين فإذا به يقدم لها عشرة آلاف ..

ونظرت إلى الورقتين فى فرحة كانتا جديدتين ولاحظت عليهما كتابة لم تفهمها ..

ــ ما هذا .. ؟
ــ إنى أسجل اسمى بالعربية على بعض الأوراق المالية التى فى جيبى كتذكار .. وهات الورقتين لأكتب عليهما أسمك أيضا بجوار أسمى ..
ــ لقد تضاعفت قيمتها بتوقيعك ..
وضحك .. وطوت النقود فى صدرها ..

وقالت بنشوة :
ــ والآن سأعد لك حماما تركيا .. قبل أن تنام وأدلك جسمك بعد البخار..

وأمسك بيدها .. فى غمرة نشوتها .. وفى سكينة لذيذة احتضنها .. وقبل شعرها وعنقها وشفتيها وشعر فى أعماقه بالإحساس الجميل بالحياة وتركت نفسها بين ذراعيه .. وكان خلفهما الباب المغلق ..

وفى الصباح .. رأى إبراهيم العشرة آلاف ين وعليها توقيعة فى يد الرجل العجوز المسكين وكان يتقدم بهما إلى كاتب الفندق ليدفع الحساب وكان فى حالة من النشوة تدل على أنه قد عاد إلى الحياة ..

================================
نشرت القصة بمجلة آخر ساعة 16/5/1962 وأعيد نشرها بمجموعة " قصص من اليابان " من اعداد على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2001
================================

ليست هناك تعليقات: