الثلاثاء، 18 سبتمبر، 2007

سأصنع له تمثالا

سأصنع له تمثالاً

قصة محمود البدوى

دخلت « ميرفت » الحجرة رقم 802 تحمل شاى الصباح .. للنزيل الجديد فوجدته قد إستحم وارتدى بدلته ..

ووقف أمام المرآة يربط « الكرافته » فتناولتها منه كعادة فتيات الفنادق فى اليابان ..

وأخذت يداها تلامسان عنقه فى نعومة ومحياها الجميل يفيض بالبشر والإيناس .. وترك لها « تاكاناوا » Tacanawa عنقه فى استسلام ..

ثم سألها بعد أن فرغت من الربطة :
ــ لم أرك فى الليل .. ؟
ــ إننا نترك الفندق فى الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل .. ويأتى بعدنا الغلمان ..
ــ كل الفتيات .. ؟
ــ أجل كل الفتيات فى كل الطوابق .. هذا هو نظام الفندق ..
ـ ولكنى شاهدت فتيات يبقين إلى الصباح فى فنادق أخرى ..
ــ تجد مثل هذا فى بيوت الجيشا .. وفى الفنادق الصغيرة فى مدينة طوكيو.. أما فى دايتشى فلا .. !
ــ تتحدثين كأنك يابانية تعرف كل شىء فى اليابان ..
ــ أنا يابانية .. ! أنظر إلى الربطة فى عنقك .. هل توجد يابانية تأتى بمثلها.. ؟
ــ أبدا .. أبدا ..

وحدق فى عينيها العسليتين الواسعتين .. وفى تقاطيع وجهها الدقيقة ، وكل ما فى قوامها من رشاقة .. فنكست رأسها برهة وهى شاعرة بالخجل من نظراته ثم رفعت رأسها وعادت تستقبل نظراته القوية بنظرات فيها وداعة .. تطلعت إلى وجهه المستدير الصارم وعينيه الضيقتين .. وقامته التى بدت لها أطول من كل يابانى شاهدته .

وعجبت لعنايتها به وانجذابها إليه دون سائر النزلاء ..

فمع أنها تعمل فى هذا الفندق منذ أربع سنوات وتقابل النزلاء من كل أجناس الأرض وألوانهم المختلفة .. الرجال والنساء والشباب والشيوخ بيد أنها تعاملهم جميعا كعابرى سبيل ماضين إلى وجهتهم ، وما من أحد منهم ترك فى نفسها أثرا أو حرك عواطف الأنوثة التى فيها .. كلهم كان يشغل الغرف ثم يتركها خالية لغيره ..

وتمضى الحركة فى الفندق على هذا الوجه الرتيب .. حركة جامدة فى نفسها كحركة المصاعد ، وحركة الباب الدوار ..

أما هذا الشاب فقد عجبت لعاطفتها نحوه .. ألأنه يابانى وأمها يابانية مثله .. ؟ .. ما أكثر النزلاء اليابانيين فى الفندق .. !

الواقع أنه حرك مشاعرها عندما حدثها بأنه مسافر إلى مصر .. مصر موطنها وبلد والداها .. التى لم ترها منذ كانت طفلة وقد برحها الشوق إليها ..

وقال لها بعد أن صبت الشاى ووقفت منتصبة فى زى الفندق الجميل ..
ــ أجلسى يا آنسه مرفت ..
ــ الجلوس ممنوع .. !

وضحك .. وعقب ..
ــ ولكن الباب مغلق .. !
ــ إن هذا لا يغير من وجه المسألة فى نظرى .. وأنت تعرف معنى النظام والأمانة فى العمل أكثر منى ..
ــ أنا أكبرك على هذا .. ولكنى أشفق عليك من هذه الوقفة المتعبة .. !

فردت فى دمائة :
ــ لا تشغل نفسك بى .. متى ستسافر إلى القاهرة .. ؟
ــ بعد عشرة أيام .. ويوم الأثنين سأسافر إلى « هونج كونج » ..
ــ وستزور أسرتى كما اتفقنا .. ؟
ــ بالطبع فى شارع القاصد بحى عابدين المنزل رقم .. إنه محفور فى ذهنى ..
ــ سأعد لك هدايا لتحملها إليهم « سيفرحون بها كل الفرح » ..
ــ الهدايا ممنوعة .. !
واتخذ وجهه هيئة الجاد ..

فسألت فى استغراب وقد حسبته يهزل ..
ــ لماذا .. ؟
ــ سنمر فى طريقنا على بلاد كثيرة ومنها إسرائيل ..
ــ ولماذا تذهب إلى اسرائيل .. ؟
ــ أنا تاجر .. وأتاجر مع جميع الدول ..
ــ حتى إسرائيل التى تحارب العرب وتقتل نساءهم وأطفالهم .. ؟ !!
ــ التجارة لا دخل لها بالحرب .. !
ــ كيف هذا .. ؟! بنقودك سيشترون الرصاصة التى يقتلون بها العربى ..
ــ ومايوه البحر .. ! إن التجارة لا دخل لها بالحرب ..

فرمقته بنظرة غاضبة وحملت الصينية وخرجت تهرول ..
فقال لنفسه :
ــ ماذا أصنع .. لحماقات النساء .. ؟!

وبعد خمس دقائق خرج من نفق المترو واتجه إلى حى جنزا ..

***

ومر على صف من الملاهى الصغيرة التى أسدلت سترها وأغلقت أبوابها .. لأنها كانت ساهرة إلى الصباح ..
ونظر إلى ساعته وهو يخرج من نطاق الدكاكين الصغيرة المغلقة ويتجه إلى شارع جنزا نفسه الذى بلغت فيه الحركة أشدها ..

وبدت الشمس ساطعة على النوافذ البلورية فى العمارات والمتاجر الكبيرة ، والبالونات القرمزية التى كانت مضيئة وساطعة فى الليل .. أخذ يؤرجحها هواء الصباح الجميل ويمايل بها .. وهى كأنها معلقة فى خيط سحرى كلما دفعها إلى السماء جذبها إلى الأرض ..

واستيقظت المدينة الضخمة .. وكل شرايين الحياة فى جسمها الكبير أخذت تعمل بنشاط عجيب .. والمشاة يسرعون على الأرصفة كأنهم فى سباق .. والسيارات الكبيرة والصغيرة تمرق كالسهام .. فى الصباح المشمس ..
ومشى « تاكاناوا » على الرصيف الواسع فى مثل سرعته التى اعتاد عليها فى المشى .. وكان يرتدى بدلة بنية كاملة ، ويبدو أنيقا فى هندامة ، والكرافتة التى ربطتها له « ميرفت » زادت من أناقته ..

وأوقف تاكسيا صغيرا عند التقاطع فركبه وسار به قليلا فى الشوارع ثم نزل منه .. ودخل متجر نياتسو .. وصعد بالسلم الكهربائى إلى الدور الخامس وبعد أن تجول فى هذا الطابق يستعرض ما فيه .. دخل المطعم .. ووجد سيدة يابانية جالسة فى انتظاره وكانت تأكل بعض الفطائر .. وبجانبها على كرسى ربطات كثيرة .. فحياها وجلس يتحدث ولما جاءت العاملة طلب فطيرة وفاكهة ..

وسأل صاحبته .. وهو ينظر إلى الربطات بجانبها ..
ـ لماذا لم تدعى هذه الاشياء للمتجر ليوصلها إلى بيتك .. ويريحك منها .. ؟
ــ أين ذهب ذكاؤك .. لابد أن أخرج بهذه الأشياء على صدرى .. !
ــ حقا أنت أذكى الجميع .. وكيف حال يواناكا .. ؟
ــ بخير .. وسنقابله بعد الظهر ..

وجلسا يتسامران كعاشقين .. وناولته جريدة « اساهى » فقلب صفحاتها طويلا ثم عاد يستأنف معها الحديث .. والضحك .. ونهض إلى دورة المياه فى نفس الطابق ..

وهناك قرأ ورقة صغيرة كانت قد وضعتها فى جيبه ثم مزقها وشد عليها السيفون ..

***

وفى ليلة السفر التقى تاكاناوا « بمرفت » فى ملهى « السفينة » ثم خرجا يتجولان فى حى شمباسى ويلجان المطاعم والحانات وشربا الساكى ، وتسليا القمار فى الآلات الأتوماتيكية المنتشرة هناك ..

أمضيا ليلة صاخبة وحافلة بضروب الإثارة .. وفى القطاع من المدينة الذى يكثر فيه اللصوص والأفاقون ..

وفى منتصف الليل اعترضه بعض الأفاقين ، وتحرشوا به تحت سقيفة الكوبرى .. ليخذلوه أمام فتاته ويسرقوا ما معه من نقود .. ولكنه صرع واحدا منهم بحركة بارعة من قدمه .. ووقف يتحدى الآخرين .. ثم خرج «بمرفت » إلى ضوء الشارع ..

وقالت له وقد عجبت بجرأته وشجاعته ..
ـ إن لى خمسة عشر عاما فى طوكيو .. ولم أشاهد هذه الأماكن إلا بصحبتك وأنت القادم من يوكوهاما .. ألا تخاف وأنت وحدك .. ؟ كيف تحمينى من هؤلاء السكارى المتشردين ..؟
ــ أشعر وأنت معى بأن فى قوة هرقل مضروبة فى عشرين ضعفا ..
ــ ما أحلى هذا الكلام .. أجئت إلى هذه الأماكن لأول مرة .. !
ــ شاهدتها من قبل .. أكثر من مرة .. واحببت أن أراها فى ليلة سفرى .. فربما لا تقع عليها عينى مرة أخرى ..
ــ لماذا .. ؟ ألا تحب أن تجىء إلى طوكيو مرة أخرى .. ؟
ــ ربما لا يحدث هذا .. إن رحلتى طويلة هذه المرة ..
ــ كنت أتمنى أن تبقى للغد .. وتزور والدى فى محل الساعات الذى يعمل فيه وتسمع منه كيف أحب أمى اليابانية عندما كان صاحب دكان صغير للساعات بالقاهرة وهاجر معها إلى طوكيو .. ثم أحب طوكيو .. كما أحب القاهرة ..
ــ تكفينى رؤيتك أنت .. ففيك أرى صورة والدك ووالدتك مجتمعين ..

كان يشعر فى أعماق نفسه بالرضى والسعادة .. السعادة التى لم يحس بمثلها من قبل ..

وكانت الأنوار الزاهية تتلألأ أمام عينيه ، وعن شماله ويمينه ، فى الحى الذى يتلألأ فى الليل ويزهو على كل أحياء الدنيا لما فيه من جمال حى جنزا العديم النظير ..

تحت البالونات المضيئة بكل الألوان الزاهية الجميلة .. وعلى الرصيف الأيمن كانا يسيران متمهلين وكأنما يقومان بإحصاء البلاط الأبيض قطعة قطعة.. ورغم الزحام الشديد .. لم يغيرا من خطوهما البطىء ..

ووجدته ساهما بعد مرح طويل فسألته ..
ــ ما الذى تفكر فيه .. ؟
ــ أفكر فيك فى الواقع « وأود أراك مرة أخرى » ..
ــ سترانى ..
ــ أرجو أن يحدث هذا ما دامت هذه إرادتك ..

وهبطا السلالم إلى محطة المترو ليركبها إلى بيتها .. ووقفا على الرصيف قليلا .. فى انتظار المترو .. وشد انتباهها جريدة أجنبية معلقة على كشك بائع الصحف والمجلات نشرت بصورة كبيرة « وبارزة » حادث الطائرة البلجيكية فى مطار اللد .. فتناولت الصحيفة بسرعة ونثرتها .. وسالت من عينيها الدموع سريعا فى حرقه ..

وقالت من خلال عبراتها :
ــ انظر كيف فعل الأنذال يسحبون الجثث على جناح الطائرة ..
ــ انظر كيف يفعلون بالموتى بعد أن قتلوهم بالخديعة .. أين شباب العرب.. ؟ أين .. ؟؟
ــ يا للعار .. ؟
وأخذت تولول ...

كان يعرف ما حدث بكل التفاصيل ولكن الصورة التى عرضتها « مرفت » كانت بشعة فتجمد وجهه وتناول منها الصحيفة وطواها .. وظلت تبكى وجسمها يرتعش فخرج بها من المحطة .. حتى لا يراها الناس وهى باكية ..

وقالت وهى تمسح عبراتها ..
ــ هؤلاء الأنذال الذين أنت ذاهب إليهم لتتاجر معهم .. !
ــ التاجر يتعامل مع الأخيار والأشرار فى هذه الدنيا ..
ــ ولا ضير عليك أن تذهب إلى إسرائيل بعد الذى شاهدته من دناءتهم ..؟
ــ أبدا .. لا ضير علىّ .. واعذرينى ..
ــ لا تجعلنى أكرهك بعد أن أجد ..

فتناول يدها صامتا .. ثم أركبها المترو فى المحطة التالية .. واتجه وحده إلى الفندق .. وكانت الريح ساكنة .. ولكن الليل لا يزال صخابا فى المدينة الكبيرة ..

***

وفى الصباح جاءت تودعه .. وكانت نوبة عملها فلم تستطع مبارحة الفندق ..

وشاهدته من نافذة الغرفة التى تركها .. يمضى وحده فى الشارع مع ضوء الشمس وبيده حقيبة صغيرة ..
وغالبت عبراتها ..

ووعدها بأن يكتب لها يوميا ولكن مضت أيام ولم تأت منه رسائل ولا حتى بطاقات بريد ..

***

وفى صباح يوم .. وقبل أن يمر أسبوعان على سفره شاهدت صورته فى جريدة « أساهى » صورة كبيرة تشغل نصف الصفحة ..

وقرأت كل ما فعله فى المطار لينتقم ويثأر فصاحت بالعربية فى جنبات بيتها ..

سأصنع له تمثالا

وعجبت أنها لم تدمع لها عين ..

===============================
نشرت بمجلة روز اليوسف 26/6/1972 وأعيد نشرها فى مجموعة " عودة الابن الضال " و مجموعة " قصص من اليابان " من اعداد على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2001
================================

ليست هناك تعليقات: